ابن عساكر
مقدمة ودراسة 10
معجم الشيوخ
الخديعة أعملوا فيه السلب والنهب والقتل ، وما صانعهم وفاوضهم حكامه حرصا على أرواح البشر فرضوا عليه الجزى . . وظل الضعف والاختلاف والحروب والمنازعات بين حكام المسلمين يعمل عمله المدمر حتى كانت الطامة الكبرى باستيلاء الصليبين على القدس بعد حصار دام نيفا وأربعين يوما سنة 492 ه ومن ذا الذي يجهل ما حل بها وبسكانها عند ذاك ؟ ! إن وصف الفظائع والمذابح التي ارتكبها حاملو الصليب الأتقياء يملأ صفحات سوداء كثيرة من كتب المؤرخين على اختلاف أجناسهم ودياناتهم « 1 » . لقد قتلوا في المسجد الأقصى وحده ما يزيد على سبعين ألفا ، فيهم كثير من أئمة المسلمين وعلمائهم وعبّادهم وزهادهم ممن فارق الأوطان وجاور بذلك الموضع الشريف ، وسرقوا كنوز الأقصى ومسجد الصخرة ، وجعلوها مأوى لخنازيرهم ، وسبوا النساء ، وقتلوا الولدان ، ولم ينج من همجيتهم مسلم ولا مسيحي ولا يهودي من أهل القدس ، حتى أولئك الذين احتموا بالمسجد الأقصى وهيكل سليمان ، والذين اعتصموا بأديرتهم أو بيوتهم ؛ فقد استبيح كل شيء ونهب كل شيء ، وطرد الناس من أوطانهم ، وأزهقت الأرواح ، وجرت الدماء حتى كان رشاشها يصيب الفرسان وهم راكبون . . . نعم ، لقد انطلقت من الشام ومصر عدة حملات لمجاهدة الفرنجة ، وقاوم أهل البلاد ما استطاعوا ، لكن جهودهم لم تغن عن البلاد ولا عن العباد ، وقد أوجز ابن الأثير ووضع يده على مكمن الداء حين قال « 2 » : « اختلفت السلاطين فتمكن الفرنج من البلاد » . ورسم أبو شامة المقدسي صورة الحال آنذاك
--> ( 1 ) انظر مثلا : البداية والنهاية لابن كثير 11 : 156 ، والكامل في التاريخ لابن الأثير 10 : 283 ، وتاريخ ابن خلدون 5 : 184 ، وحضارة العرب لغوستاف لوبون 287 ، وموسوعة الحضارة الإسلامية 5 : 375 . . وغيرها . ( 2 ) الكامل في التاريخ 10 : 284 .